عرب لندن 

تواجه العاصمة البريطانية لندن تحدياً وجودياً يتعلق بقدرتها على الاحتفاظ بقوتها العاملة الشابة، إذ كشف تقرير حديث صادر عن "لندن هيريتيج كوارتر" (London Heritage Quarter) عن اتجاه مقلق يتمثل في تخطيط أربعة من كل عشرة من الشباب المقيمين في المدينة لمغادرتها في المستقبل القريب. 

وحسب ما ذكرته صحيفة ستاندرد “Standard” يصور البحث، الذي أجرته مؤسسة "ببليك فيرست"، تحولاً جذرياً في نظرة الشباب (من 18 إلى 30 عاماً) للمدينة، حيث بات الكثيرون يصفون الحياة فيها بأنها مسألة "بقاء" يومي بدلاً من كونها ساحة للفرص، مما يضع صناع القرار أمام ضغوط متزايدة لمعالجة تدهور جودة الحياة.

وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى حجم التحدي، حيث يُرجح أن يغادر لندن اثنان من كل خمسة شبان خلال السنوات الخمس المقبلة؛ وهو ما يعادل نحو 800 ألف شخص، بينما يتوقع ثلث هذه الفئة (حوالي 600 ألف شاب) الرحيل في غضون عامين فقط. ويعزو هؤلاء قرارهم إلى مثلث الأزمات المتمثل في ارتفاع تكاليف السكن، وتراجع الأمان، وركود التطور المهني. 

وبحسب الاستطلاع، يرى 81% من الشباب أن لندن أكثر تكلفة مما كانوا يتوقعون، بينما يعتقد 61% منهم أن تكاليف المعيشة تدهورت بشكل ملموس منذ جائحة كوفيد-19، مما يثقل كاهل ذوي الدخل المحدود ويُبقي عليهم في وظائف منخفضة الأجر لفترات طويلة، خاصة في ظل تزايد الأعباء الضريبية على أرباب العمل.

ولا تتوقف الدوافع عند الجانب الاقتصادي، إذ تلعب مخاوف الأمن ونمط العمل دوراً بارزاً في اتخاذ قرار الرحيل. فقد أفاد 51% من المستطلعين بأن لندن أصبحت أقل أماناً مما كانت عليه في عام 2021، مع تعرض ما يقرب من أربعة من كل خمسة منهم لتجارب مرتبطة بالجريمة. 

وفي الوقت ذاته، وفرت أنماط العمل المرن (الهجين والعمل عن بعد) خياراً سهلاً للشباب للعيش خارج العاصمة مع الحفاظ على وظائفهم فيها، مما يعزز الرغبة في الانتقال إلى مناطق أكثر ملاءمة للمعيشة.

وفي تعليقها على هذه المعطيات، حذرت روث داستون، الرئيس التنفيذي لـ "لندن هيريتيج كوارتر"، من أن لندن بدأت تتحول من وجهة للاستقرار طويل الأمد إلى مجرد "محطة عبور" مؤقتة، حيث يُستخدم العمل فيها كخطوة أولى قبل المغادرة.

وأكدت داستون لخدمة تقارير الديمقراطية المحلية (LDRS) أن "سيتي هول" مطالب بدور حاسم في جعل المدينة صالحة لبناء الحياة وليس فقط للعمل، مشيرة إلى أن أزمة الإسكان هي الضغط الأكبر الذي يواجه الشباب، وأن استعادة تنافسية لندن تتطلب التوسع في توفير المساكن وتذليل العقبات أمام المشاريع العقارية.

وختمت داستون تحذيرها بالتأكيد على أن فشل المدينة في معالجة هذه الملفات سيؤدي إلى صعوبة بالغة أمام أصحاب العمل في جذب واستبقاء المواهب الشابة، مما يهدد مستقبل المدينة الاقتصادي، داعية إلى تضافر جهود البلدية والوزراء وقطاع الأعمال لإعادة البريق للندن. وفي المقابل، امتنع مكتب عمدة لندن عن الإدلاء بأي تعليق حول نتائج التقرير.

التالي اتفاقية "واحد مقابل واحد": للمرة الأولى لاجئ سوري يواجه الترحيل القسري من فرنسا